محمد بن جعفر الكتاني
129
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وحج مع أبيه ولبى وزار ، ولقي بالمشرق جماعة من العلماء والفضلاء الأخيار ، واقتبس من أنوارهم ، واقتطف من أزهارهم ، وأجازوه إجازة عامة ، مطلقة تامة ، ثم حج مرة ثانية وحده في حياة أبيه ، ممتعا من سلطان الوقت بما يحتاج إليه فيها ويكفيه ، وكان له خط رائق ، وفهم فائق ، وصوت حسن ، يذهب ترجيعه عن العين الوسن ، في همة عالية ، ومروءة إلى مكارم الأخلاق داعية ، وكرم نفس ورقة سجية ، وطلعة يمن في غرة سنية ، ومحبة صادقة في الصالحين ، ومودة شرعية في آل سيد المرسلين ، صلّى اللّه عليه وسلم ؛ محبوبا معظما عند كل إنسان ، من السوقة وغيرهم حتى السلطان ، جميل الهدي والسمت ، حميد الوصف والنعت ، يملأ القلوب هيبة ووقارا ، ولا يوازيه أحد من أقرانه صولة واقتدارا . وكان قائما بما يجب عليه لأبيه من الخدمة ، خافضا له جناح الذل من الرحمة ، لا يرى ولا يسمع لسواه ، ولا يلتفت بقلبه وقالبه لمن عداه ، بل سلب له الإرادة على جهة التحكيم ، حتى شغله [ 122 ] ذلك عن القيام بأمر التدريس والتعليم ، وكان تولى الخطابة مرة في جامع الشرابليين ثم نقل منها إلى جامع دار الدبيبغ ، ثم منها إلى المدرسة العنانية ، ثم تخلى عنها لغيره . ولم يزل ملازما لخدمة أبيه إلى أن توفي ؛ فلزم بعده بيته ، معمرا بما يعنيه وقته ، إلى أن توفي ضحوة يوم الأحد منسلخ شوال سنة خمس عشرة ومائتين وألف . ودفن بزاوية والده في الفناء الذي بآخرها ، خلف الصحن ، تحت الخزانة الثانية التي عن يسار الداخل إليه . ترجمه في " الروضة المقصودة " . [ 50 - الإمام العلامة سيدي العربي بن أحمد ابن سودة المري ] ( ت : 1229 ) ومنهم : الشيخ الإمام ، العالم العلامة الهمام ، الفقيه المشارك المحقق ، الضابط المتقن المدقق ، الحجة الكبرى ، والآية الجليلة العظمى ؛ أبو حامد سيدي العربي ابن قاضي الجماعة أبي العباس أحمد ابن شيخ الإسلام أبي عبد اللّه سيدي التاودي ابن سودة المري . نشأ - رحمه اللّه - في كفالة أبيه وجده في أطيب وصف ، وأحسن رصف ، وحفظ القرآن صغيرا وجوده ، ثم أخذ في حفظ أمهات العلوم بعده ؛ فحفظ منها ما هو المتداول في هذه الأزمان ، معتنيا بتكريره في كل وقت مخافة النسيان ، ونور نجابته لائح ، ومسك صيانته فائح ، لا يشارك الصبيان في ملعب ، وليس له في غير القراءة مأرب ، ثم توجه للقراءة على والده ، مقتبسا من أنوار فوائده ، ثم صار يتردد بين مجالس أبيه وجده ، فائزا من تحقيق كل منهما بأريه وزبده ، مصحوبا بالفتح المبين فيما توجه له ، لا يعزب عن فكره مطلب ولا تصعب عن ذهنه مسألة . ولما أحرز الخصل في مجال